مظاهر الاحتفالات فى مصر ومدى ارتباطها بالطقوس العهد الفاطمى

كتب / صفاء صلاح الدين

 

إن الأهتمام الشديد لدى المصريين بتلك الأعياد الدينية ما هو إلا ميراث مصري قديم يضرب بجذوره في عمق التاريخ المصري الذي شهد اهتمامًا بإقامة طقوس وتقاليد دقيقة في أعياد جلوس الملك على العرش وعيد ميلاده وعيد الحصاد وعيد وفاء النيل، ومن ثم ورث المصريون من أجدادهم ذلك الاهتمام بطقوس الاحتفالات الدينية فيما بعد.
فتقول دكتورة ماريا فرج عزت لوندى مدرس لغه وتاريخ بكلية السياحة والفنادق- جامعة بنى سويف، إن المصريون عامة يحبون آل البيت، لكن حبهم للرسول (صلى الله عليه وسلم) أشد، ويقيمون الاحتفالات الدينية الضخمة لأفراد آل البيت المدفونين في مصر، مثل: الإمام الحسين والسيدة زينب، والتي يحضرها الملايين من عامة الشعب المصري ويسعون إليها بدأب كل عام. ولكن تظل ذكرى مولد الرسول (صلى الله عليه وسلم) درة الاحتفالات الدينية على الإطلاق، فجميع أهل مصر يحتفون بها احتفاء كبيرًا بإحياء الشعائر الإسلامية، حلقات الذكر وذلك بإقامة مجالس ينشد فيها قصائد مدح النبي، ويكون فيها الدروس من سيرته، وذكر شمائله, قراءة القرآن, إلقاء الخطب والموعظ الدينية, زينة الشوارع و حلوى المولد.

وتعتبر “حلوى المولد” من المظاهر التي ينفرد بها المولد النبوي الشريف في مصر؛ حيث تنتشر في جميع محال الحلوى شوادر تعرض فيها ألوان عدة من حلوى المولد على رأسها السمسمية والحمصية والجوزية والبسيمة والفولية والملبن المحشو بالمكسرات كما تصنع من الحلوى بعض لعب الأطفال التي كانت تقليديا تؤكل بعد انتهاء يوم المولد وهي عروس المولد للبنات والحصان للأولاد.

وتضيف دكتور ماريا فرج ،قد ارتبطت ذكري المولد في وجدان جميع الأطفال المصريين على مر العصور بهذه العرائس وتناول الحلوى، وكأن هناك علاقة وثيقة ـ في نظر المصريين ـ بين ميلاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) والطعم الحلو، وليس هذا فحسب بل إنهم صنعوا لتلك المناسبة عروسًا ليختلط الوقار المتمثل في ذكرى ميلاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بطعم السكر في الحلوى، مع أجواء الفرح بالعروس، باعتباره أحلى الاحتفالات على الإطلاق وتاج المشاعر الدينية. وتؤكد الشواهد التاريخية أن عروس المولد مصرية خالصة، ويحاول بعض المؤرخين الربط بينها وبين تقليد عروس النيل في عهد المصرين القدماء وفي ذلك الصدد، يقول أحد المؤرخين أنه لا توجد كلمة فاصلة في هذا الأمر؛ لأن كثيرا من العادات والتقاليد المصرية الحالية تعكس تواصلا مع الحضارة المصرية القديمة عبر آلاف السنين.
موعد المولد النبوى الشريف.

وتشير دكتور عزت ، ان المولد النبوي أو مولد الرسول هو يوم مولد رسول الله محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) والذي كان في 12 ربيع الأول أو 17 ربيع الأول حسب المنظور الشيعي. حيث يحتفل به المسلمون في كل عام في بعض الدول الإسلامية ليس باعتباره عيدًا بل فرحة بولادة نبيهم رسول الله محمد بن عبد الله, حيث تبدأ الاحتفالات الشعبية من بداية شهر ربيع الأول إلى نهايته.

المرجعية التاريخية للأحتفال بالمولد النبوى الشريف
وتوضح يرجع المسلمون الذين يحتفلون بالمولد النبوي بداية الاهتمام بيوم مولد رسول الله إلى النبي محمد نفسه حين كان يصوم يوم الاثنين ويقول “هذا يوم وُلدت فيه”، وحسب أبو شامة، فإن الملاء هو أوّل من اعتنى بشكل منظم بالاحتفال بالمولد .
عصر الدولة الفاطمية .

يذكر أن الفاطميين الذين جاءوا إلى مصر من بلاد المغرب على يد قائدهم “جوهر الصقلي” كانوا ينسبون أنفسهم إلى السيدة “فاطمة الزهراء” ابنة الرسول الكريم وزوجة الإمام علي بن أبي طالب؛ حيث أن هم أوّل من احتفل بذكرى المولد النبوي الشريف، كما احتفلوا بغيره من الموالد الدورية التي عُدت من مواسمها, لذا اهتموا بإحياء المناسبات والأعياد الإسلامية وذكر المقريزي في خططه الاحتفالات التي اهتم الفاطميون بها وهي الموالد الستة، وفصّلها بأنها مولد الإمام الحسين (5 ربيع الأول)، ومولد السيدة فاطمة الزهراء (20 جمادى الآخرة)، ومولد الإمام على (13 رجب)، ومولد الإمام الحسن (15 رمضان)، ومولد الرسول (صلى الله عليه وسلم) (12 ربيع الأول)، وأخيرًا مولد الخليفة الحاكم للبلاد.

وفي عام 488 هـ (تحت خلافة المستعلي بالله) أمر الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي بإبطال الاحتفال بالموالد الأربعة وهي المولد النبوي ومولد الإمام علي ومولد السيدة فاطمة الزهراء ومولد الإمام الفاطمي الحاضر. وقد حاول الخليفة الفاطمي “المعز لدين الله” عندما جعل مدينة القاهرة عاصمة خلافته أن يستميل الشعب المصري، فأمر بإقامة أول احتفال بالمولد النبوي الشريف.

عصر الدولة الأيوبية
كان أول من احتفل بالمولد النبوي بشكل منظم في عهد ( السلطان صلاح الدين ) الملك مظفر الدين كوكبوري، إذ كان يحتفل به احتفالاً كبيرًا في كل سنة، وكان يصرف في الاحتفال الأموال الكثيرة، والخيرات الكبيرة حتى بلغت ثلاثمئة ألف دينار وذلك كل سنة. وكان يصل إليه من البلاد القريبة من أربيل مثل بغداد والموصل عدد كبير من الفقهاء والصوفية والوعّاظ والشعراء، ولا يزالون يتواصلوا من شهر محرم إلى أوائل ربيع الأول, وكان يعمل المولد سنة في 8 ربيع الأول، وسنة في 12 ربيع الأول لسبب الاختلاف بتحديد يوم مولد النبي. فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيءًا كثيرًا وزفّها بالطبول والأناشيد، حتى يأتي بها إلى الميدان، ويشرعون في ذبحها، ويطبخونها. فإذا كانت صبيحة يوم المولد، يجتمع الناس والأعيان والرؤساء ويُنصب كرسي للوعظ ويجتمع الجنود ويعرضون في ذلك النهار. بعد ذلك تقام موائد الطعام، وتكون موائد عامة فيه من الطعام والخبز شيء كثير.

وقد حاربت الدولة الأيوبية الاحتفالات والتقاليد الفاطمية لمحو نفوذ الفاطميين من العالم الإسلامي، ولأن الدولة الأيوبية كانت سنية المذهب بينما سابقتها شيعية مغالية، لكن المصريين عادوا للاحتفال بالمولد النبوي في عصر المماليك.

عصر الدولة المملوكية
يذكر لنا “ابن إياس” الاحتفال في عهدين؛ حيث عاصر في ربيع الأول عام 922هـ، احتفالات السلطان المملوكي “قنصوه الغوري” الذي اتسم بالبذخ والترف؛ حيث نصبت قاعة ضخمة بخيمة كبيرة في وسطها قبة على أربعة أعمدة مرتفعة زُينت بالأواني والطاسات النحاسية وجلس على رأسها السلطان الغوري ومن حوله القضاة والأمراء وأعيان البلاد، والقراء والوعاظ، وبدأت الاحتفالات بمد الأطباق الحافلة بمختلف أنواع الأطعمة والمشروبات وتبارى المنشدون في المدائح النبوية, وفي العام التالي 923 هـ سجل “ابن إياس” أن الصورة تغيرت تمامًا؛ حيث دخل العثمانيون مصر ولم يهتموا بإقامة احتفالات المولد، وربما يرجع ذلك إلى نفس سبب محاربة الأيوبيين للاحتفال بالمولد.
عصر الدولة العثماثية .

قد حاول الحكام على تعاقبهم واختلاف أجناسهم استغلال خصوصية أهتمام المصريين بالأحتفالات الدينية وتقربوا إليهم، وحاولوا استمالتهم بالأهتمام بكل هذه الأحتفالات الدينية، وعلى رأسها المولد النبوي الشريف، حتى إنهم غالوا في مظاهر تلك الاحتفالات وصرفوا عليها ببذخ كبير، بدءًا من الخلفاء الفاطميين الذين لعبوا على المشاعر الدينية باقتدار وتمكنوا من بسط نفوذهم إلى بلاد كثيرة من العالم الإسلامى حتى نهاية الحكم العثمانى.

كان لسلاطين الخلافة العثمانية عناية بالغة بالأحتفال بجميع الأعياد والمناسبات المعروفة عند المسلمين، ومنها يوم المولد النبوي، إذ كانوا يحتفلون به في أحد الجوامع الكبيرة بحسب اختيار السلطان، فلمّا تولى السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة قصر الاحتفال على الجامع الحميدي. فقد كان الاحتفال بالمولد في عهده متى كانت ليلة 12 ربيع الأول يحضر إلى باب الجامع عظماء الدولة وكبراؤها بأصنافهم، وجميعهم بالملابس الرسمية التشريفية، وعلى صدورهم الأوسمة، ثم يقفون في صفوف انتظارًا للسلطان .فإذا جاء السلطان، خرج من قصره راكبًا جوادًا من خيرة الجياد، بسرج من الذهب الخالص وحوله موكب فخم وقد رُفعت فيه الأعلام ويسير هذا الموكب بين صفين من جنود الجيش العثماني وخلفهما جماهير الناس، ثم يدخلون الجامع ويبدأون بالاحتفال، فيبدؤوا بقراءة القرآن، وثم بقراءة قصة مولد النبي محمد، ثم بقراءة كتاب دلائل الخيرات فبالصلاة على النبي، ثم ينتظم بعض المشايخ في حلقات الذكر، فينشد المنشدون وترتفع الأصوات بالصلاة على النبي. وفي صباح يوم 12 ربيع الأول يفد كبار الدولة على اختلاف رتبهم لتهنئة السلطان.

ويذكر المؤرخ “عبد الرحمن الجبرتي” الذي عاش في زمن الحملة الفرنسية على مصر أن “نابليون بونابرت” اهتم بإقامة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سنة 1213هـ 1798م، من خلال إرسال نفقات الاحتفالات وقدرها 300 ريال فرنسي إلى منزل الشيخ البكري (نقيب الأشراف في مصر) بحي الأزبكية، وأُرسلت أيضًا إليه الطبول الضخمة والقناديل, وفي الليل أقيمت الألعاب النارية احتفالاً بالمولد النبوي، وعاود نابليون الأحتفال به في العام التالي لإستمالة قلوب المصريين إلى الحملة الفرنسية وقوادها.

عصر الدولة الحديثة والمعاصرة
وتوارث المصريون عبر الزمن الأحتفال بالمولد النبوي حتى عصرنا الحالي، ولم تتغير مظاهر الاحتفال كثيرًا عن العقود الماضية، خاصة في الريف والأحياء الشعبية في المدن الكبرى ومع بداية شهر ربيع أول من كل عام تُقام سرادقات كبيرة حول المساجد الكبرى والميادين في جميع مدن مصر خاصة في القاهرة؛ حيث مساجد أولياء الله والصالحين، كمسجد الإمام الحسين والسيدة زينب تضم تلك الشوادر أو السرادقات زوار المولد من مختلف قرى مصر والباعة الجائلين بجميع فئاتهم وألعاب التصويب وبائعي الحلوة والأطعمة وسيركا بدائيا يضم بعض الألعاب البهلوانية وركنا للمنشدين والمداحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post دروجبا صلاح أصبح قائدا ويستحق الأفضل في إفريقيا
Next post انطلاق الجامعه الامريكية للدراسات الاحترافية “AUPS” اول جامعة رقمية بمصر والوطن العربي

Education Template

error: Content is protected !!