حوار مع الشاعر المتالق خالد احمد المشهور ب (عمو الواقع )

حوار مع الشاعر المتالق خالد احمد المشهور ب (عمو الواقع )
طارق ابو شعيله
الاسم خالد احمد من بني سويف ملقب بعمو الواقع وله العديد من الشعر وتم عمل حفلات في القاهر وبني سويف واسكندريخ
يقود هذا الحوارُ اللغة إلى سفر شيّق يَهَبُ خصوبته للمتلقي بوصفه شهادة حسن النية في مصاحبة القصيدة لأسرارها الخبيئة بطيبوبةٍ نادرةٍ، كما تحكمه الشساعة في طرح قضايا إبداعية وجمالية وتخيّلية متعلقة بالإبداع والترجمة، وزمن الكتابة، والذكريات العتيقة مع طفولة أول قصيدة طريّة في بهو الذاكرة محكومة بدهشة الحنين والفرح الصغير الذي يتساقط من فردوس الغبطة مبتهجًا بمحبته الأنيقة.
في كل مرة كنت أظن أني أربكه أو أسيّجه بأسئلة عصيّة، فيخرج منتصرًا بأناقة لغته من شقوق سرية يعرف أبوابها وحده فقط، وكأنه يُضاعف اختراق متخيّله بفاعلية متوهجة بحنين لا يضل طريقه نحو الينابيع ارتواءً للمجهول واللايقين، وخصوبة ضد المحو والنسيان المكثف.
غنى في المتخيل والرؤية والحدس والذاكرة التي تتسم بها إجابات الشاعر خالد المشهور ب (عمو الواقع) في هذا الحوار العميق، الشيق، الثري، الذي ينفتح على أسئلة القصيدة بممكناتها التخيّلية وخياراتها الإبداعية والجمالية لتأسيس شروط وجودها في الذات كما في الكون، وهاجس انتسابها لحركية الإبداع أفقًا لتخصيب ملامح اللغة. إنه الذهاب إلى ضفاف القلب بيُتم المعنى، وتخوم الجسد بلغة تهيّجها الذاكرة الاسترجاعية من رحم زمن فَر سريعًا كبرق خاطفٍ.

هو حوار في اللغة وبها مع شاعر خبر أهوال المخاطرة في جُب القصيدة، متشردًا بأناقة هنا وهناك في فلوات المعنى، صَاحَبَ فتنة اللغة الشعرية منذ عقود منتشيًا بالكلمة العميقة، منقبًا، جوالاً، منعزلاً، مندهشًا، منفجرًا، هادئًا، وديعًا، صاخبًا، ضاجًّا بالحياة، مشاكسًا، مستسلمًا لنداء الشعر وأقاصيه الرحبة والرحيبة المتيمة بسؤال المحبة والإنصات والتواضع.

حوار يتجسس بعمق على المناطق الخفية للشاعر، لا يُقدم أسئلة بقدر ما يثير أسئلة في الوجود والكتابة والشعر واللغة مبتهجًا بعينٍ لاقطةٍ في تجذير سؤال الإبداع بما هو دخول طري، ندي، طازج، عذب، نيئ، في المجهول واللايقين واللامفكر فيه، حيث البحث عن مواطن الجمال في خرائط المتخيل قضية أساسية يستعذبها أفق جمالية التلقي ويستلذها.

ملزم أنت باستثمار غني وذكي وعميق للأسئلة استعدادًا لِمَكْرِ الأجوبة، وخِبرتها في ترويض الألغام المدسوسة في خيمة اللغة. المُحَاوِرُ يشحذ ذخيرته باستمرار للحرب القادمة، والمُحَاوَرُ يسترد أنفاسه كاملة تحسبًا لهجوم مبكر على مواقعه الآمنة دائمًا، بين الكرّ والفرّ تؤسس لغة الحوار خصوبتها غير عابئة بحروب تدور هنا، أوهناك، في غفلة من دهشة حلمها بتجديد علائقها بالوجود والذات والكون، وكأنها المنذورة لاستقطاب حدس الاستشراف المشرق بابتهاج المعنى العاري، النقي، الدافئ كحضن امرأة لا تأتي في الموعد المحدد لاستكمال ألق أنوثتها.

هكذا، يصبح الحوار سيرة حياة شاعر. إنصات ومكابدة حقيقية لنداء القصيدة في ديمومة ولادتها المتجددة، وهي الراغبة بشهوة عنيفة في توريط العين، قبل القلب، في سفر يستحبّ بعناية دقيقة منفى اللغة اختيارًا واندهاشًا، لا إصرارًا وإكراهًا.

– درجة الوعي عند الشاعر بخطورة الانتساب بصدق للقصيدة، يجعله يتهيب للسفر في مجهولها. كيف يستطيع الشاعر أن يتّق شراسة المصافحة الأولى مع النص لحظة الكتابة؟
– كلُّ وَقتِ/ أَوقاتِ كتابةِ القصيدةِ لحظاتٌ شرِسةٌ تنهشُ في الشَّاعرِ كلَّ شيءٍ. إِنَّها تحمِلُه إِلى أَراضٍ جديدةٍ، ومُناخٍ مُغايرٍ كلَّ مرَّةٍ. هيَ لا تشبَعُ من إِنهاكِ شاعرِها كلَّما مارَستْهُ بَدءًا منَ اسْتلقائِها ورقةً بيضاءَ مُغوِيةً، وحتَّى امتلائِها بما يشبِهُ التَّخطيطَ الأَوَّليَّ للَوحةٍ سِرياليَّةٍ.

هيَ، أَيضًا، وقتُ/ أَوقاتُ حبٍّ بينَها وبينَهُ حينَ يُوافِقُهما اللِّقاءُ، ويختلِفانِ فيهِ على بعضهِما، في بعضِهِما، حدَّ الامتزاجِ الذي لا يُمَكِّنكَ من مَعرفةِ الشِّعرِ منَ الشَّاعرِ.

– ما هو الباب الذي تفتحه القصيدة لك سريعًا عند لقائك بها في مُنحدر اللغة؛ باب الطفولة، باب الحنين، باب الحب، باب النسيان، باب المرأة، باب المكان، باب الأم، باب الدهشة، باب الذكرى، باب الوجع، باب الأمل… وللشاعر في أبوابه أسرار وألغاز؟
ليتَهُ منحدَرٌ، بل هوَ صعودٌ (“كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ”- القرآنُ الكريمُ).
ما من بابٍ محدَّدٍ، لأَنَّ القصيدةَ لا أَبوابَ لها، بل توجَدُ نوافذُ عاليةٌ ذاتُ إِطاراتٍ من ضبابٍ يابسٍ، والشَّاعرُ في غُرفةٍ محاطًا بجُدرانِ الوَحدةِ، والعزلةِ، واليأْسِ.

إِنَّهُ يُريدُ أَن يطيرَ خارجَها، تحملُه جوانحُ قصيدتِه نحوَ آفاقِ الحبِّ والفرحِ والدَّهشةِ والمتعةِ و…، التي يجبُ أَن تحقِّقَها القصيدةُ، وصولاً إِلى إِحساسِكَ بالشِّعرِ أَنَّهُ “مثلُ الوقوفِ على حافَّةِ بحيرةٍ يغمرُكَ عندَها نورُ القمرِ طوالَ الوقتِ”، كما أَحسَّهُ (كولينز).

– الكتابة الشعرية انخراط عنيف في الإنصات لعوالم الداخل المشبعة بالجرح والحلم، تعرية لتضاعيف الذاكرة بِشعلة القصيدة. هل تؤمن بأن الشعر قادر على تغيير العالم إلى ما هو أنقى وأصفى في ظل السلم والسلام بعيدًا عن الحروب وقتل الأبرياء والشيوخ والنساء والأطفال؟
– لا شِعر دونَ فكرةٍ/ أَفكارٍ، حتَّى “الفانتازيا” الشِّعريَّةِ، أَو الشِّعرِ “الفانتازيِّ”، لا بدَّ وأَن يحملَ فكرةً ما، ذلكَ أَنَّ الشِّعرَ لا يولدُ من فراغٍ، أَو عدمٍ، ولا يَحيا في اللاَّشيءِ، أَو يكونُ لِلاَشيءٍ.

الوطنُ، مثلاً، فكرةٌ جماليَّةٌ عُليَا/ سماويَّةٌ، وهو غيرُ قابلٍ للقسمةِ إِلاَّ على واحدٍ، والاحتلالُ فكرةٌ دونيَّةٌ، لِما فيها من بشاعةٍ، وحقدٍ، ودمٍ مباحٍ دونَ وجهِ حقٍّ، وإِنسانيَّةٍ مهدورةٍ من لا إِنسانيَّةٍ حقيرةٍ، لذَا فهو إِلى زوالٍ، مهما عمَّرَ من خرابٍ.

الشِّعرُ يحاولُ المرورَ بينَ متعاركاتِ الشَّيءِ وضدِّهِ منتصرًا للحريَّةِ والجمالِ والحبِّ وإِنسانيَّةِ الإِنسانِ، لهذا أَجدُني شاعرًا أَقسو على قصيدتِي بما أَستطيعهُ من حنانٍ، كي تُطلَّ من شرفةِ القلبِ بأَبهى ما يمكنُ، مهمَا كانت موضوعتُها.

إِنَّني لا أَعتقدُ أَنَّ القصيدةَ تستطيعُ، وعمومَ الكتابةِ، مهما بلغتْ من بلاغةٍ، أَن تجمعَ أَشلاءَ طفلٍ تناثرتْ في حضنِ أُمِّهِ وهي تُرضِعهُ، ولا تستطيعُ حتَّى محوَ دمعةٍ حارقةٍ عن خدِّها المُتصدِّعِ. لستُ أَشكو عجزَ الشِّعرِ، لأَنَّ الحواسَّ، وهيَ الأَساسُ في الكتابةِ الإِبداعيَّةِ، لا تستطيعُ أَن تمسكَ قلمًا وهيَ تُشوَى في أَتونِ الحربِ.
للأَسفِ الشَّديدِ، فإِنَّ الشِّعرَ لا يستطيعُ أَن يُرجعَ فوَّهةَ دبَّابةٍ مترًا واحدًا إِلى الخلفِ.

– هل القصيدة قلعة الشاعر الدائمة يحتمي فيها وبها من عواصف الحزن والاغتراب والشجن، أم نافذة يطل منها على أشيائه السرية والحميمة؟
– هيَ هكذا عندَ شعراءَ، وهكذا عندَ شعراءَ آخرينَ، لكنَّها في كلا الحالتينِ ليستْ قلعةً، بل هيَ جَغرافيا إِنسانيَّةٌ بكلِّ شسَاعاتِها وفضاءاتِها. أَنا أَقربُ كثيرًا في قصيدتي من ذَاتي بما تُشرِقهُ الحواسُّ آناءَ الكتابةِ، فالقصيدةُ التي تنبعُ من قرارِ الذَّاتِ وتخطُّها الحواسُّ، هي الأَصدقُ، خصوصًا إِذا كانت حمولتُها الجماليَّةُ في أَقصَى حالاتِها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post بالمستندات إحالة نهلةعبد العزيز إلى التحقيق
Next post يطعن ابنته 9 سنوات بالسكين ويتركها جثه هامده ل منعها من اللهو 

Education Template

error: Content is protected !!